ابن عجيبة
197
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : لَوْ شرطية ، و يَرَى شرطها ، قرأ نافع وابن عامر ويعقوب بالخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل سامع ، والباقون بالغيب وإسناده إلى الظالم ، لأنه المقصود بالوعيد والتهديد ، و إِذْ ظرف للرؤية ، وموضع يَرَوْنَ خفض بالإضافة ، قرأ ابن عامر بضم الياء ، على البناء للمفعول ، والفاعل الحقيقي هو اللّه تعالى ، بدليل يُرِيهِمُ اللَّهُ ، والباقون بالفتح على البناء للفاعل ، على حد : وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ . و أَنَّ الْقُوَّةَ معمول للجواب المحذوف ، تعظيما لشأنه ، والتقدير : لو ترى يا محمد ، أو يا من يسمع ، الذين ظلموا حين يرون العذاب ، أو يريهم اللّه العذاب ، لرأيت أمرا فظيعا وخطبا جسيما ، ولعلمت أن القوة للّه جميعا . و جَمِيعاً حال ، أي : أن القوة ثابتة في حال اجتماعها ، وقرأ أبو جعفر ويعقوب ( إنّ ) بالكسر في الموضعين على الاستئناف ، و ( إذ تبرأ ) بدل من ( إذ يرون ) ، والأسباب : العهود والوصل التي كانت بينهم في الدنيا يتوادّون عليها ، وأصل السبب : كل شئ يتوصل به إلى شئ ، ومنه قيل للحبل الذي يصعد به : سبب ، وللطريق : سبب ، قال الشاعر « 1 » : ومن هاب أسباب المنيّة يلقها * ولو رام أسباب السماء بسلّم و ( حسرات ) : حال ، إن كانت بصرية ، على مذهب أهل السنة ، أو مفعول ثالث إن كانت علمية على مذهب المعتزلة القائلين بعدم تشخص الأعمال . يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ يَرَى يا محمد ، أو كل من يتأتى منه الرؤية ، حال الَّذِينَ ظَلَمُوا باتخاذهم الأنداد والأوثان ، بعد وضوح الأدلة وسطوع البرهان ، حيث يَرَوْنَ الْعَذابَ محيطا بهم ، والزبانية تغلبهم ، والنار تلتقطهم ، لرأيت أمرا فظيعا ، وخطبا جسيما ، ولعلمت أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ، أو لو يرى الذين ظلموا العذاب الذي أعد لهم بسبب شركهم ، لرأوا أمرا عظيما ، ولتيقنوا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ . وذلك حين يتبرأ المتبوعون - وهم الرؤساء - ، من الأتباع - وهم القلة الضعفاء - والحالة أنهم رَأَوُا الْعَذابَ الفظيع ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ أي : أسباب المودة والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا ، وصارت مودتهم عداوة ، وَقالَ حينئذ الضعفاء الَّذِينَ اتَّبَعُوا شياطينهم في الكفر والضلال : لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي : رجعة للدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ أي : من كبرائهم كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم . كَذلِكَ أي : مثل ذلك الإبراء الفظيع يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ وندامات عَلَيْهِمْ فيدخلون النار على سبيل الخلود ، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ .
--> ( 1 ) وهو زهير بن أبي سلمى .